أبي الفرج الأصفهاني
394
الأغاني
أكرمه وأنزله في داره ، فمكث معه ما شاء اللَّه أن يمكث ، ثم إن أوسا قال له : يا بن خال ، أتريد المقام عندي وفي داري ؟ فقال له أيّوب : نعم ، فقد علمت أني إن أتيت قومي وقد أصبت فيهم دما لم أسلم ، وما لي دار إلا دارك آخر الدهر ؛ قال أوس : إني قد كبرت وأنا خائف أن أموت فلا يعرف ولدي لك من الحقّ مثل ما أعرف ، وأخشى أن يقع بينك وبينهم أمر يقطعون فيه الرّحم ، فانظر أحبّ مكان في الحيرة إليك فأعلمني به لأقطعكه أو أبتاعه لك ؛ قال : وكان لأيوب صديق في الجانب الشرقيّ من الحيرة ، وكان منزل أوس في الجانب الغربيّ ، فقال له : قد أحببت أن يكون المنزل الذي تسكننيه عند منزل عصام بن عبدة أحد بني الحارث بن كعب ؛ فابتاع له موضع داره بثلاثمائة أوقية من ذهب وأنفق عليها مائتي أوقية ذهبا . وأعطاه مائتين من الإبل برعائها وفرسا وقينة ؛ فمكث في منزل أوس حتى هلك ، ثم تحوّل إلى داره التي في شرقيّ الحيرة فهلك بها . وقد كان أيوب اتصل قبل مهلكه بالملوك الذين كانوا بالحيرة وعرفوا حقّه وحقّ ابنه زيد بن أيوب ، وثبت أيوب فلم يكن منهم ملك يملك إلا ولولد أيوب منه جوائز وحملان [ 1 ] . مقتل زيد بن أيوب ثم إنّ زيد بن أيوب نكح امرأة من آل قلَّام فولدت له حمّادا ، فخرج زيد بن أيوب / يوما من الأيام يريد الصيد في ناس من أهل الحيرة وهم منتدون [ 2 ] بحفير - المكان الذي يذكره عديّ بن زيد في شعره - فانفرد في الصيد وتباعد من أصحابه ، فلقيه رجل من بني امرئ القيس الذين كان لهم الثأر قبل أبيه ، فقال له - وقد عرف فيه شبه أيوب - : ممّن الرجل ؟ قال : من بني تميم ، قال : من أيّهم ؟ قال : مرئيّ [ 3 ] ؛ قال له الأعرابيّ : وأين منزلك ؟ قال : الحيرة ؛ قال أمن بني أيوب أنت ؟ قال : نعم ، ومن أين تعرف بني أيوب ؟ واستوحش من الأعرابيّ وذكر الثأر الذي هرب أبوه منه ؛ فقال له : سمعت بهم ، ولم يعلمه أنه قد عرفه ؛ فقال له زيد بن أيوب : فمن أيّ العرب أنت ؟ قال : أنا امرؤ من طيء ؛ فأمنه زيد وسكت عنه ، ثم إن الأعرابيّ اغتفل [ 4 ] زيد بن أيوب فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ففلق قلبه ، فلم يرم [ 5 ] حافر دابته حتى مات ؛ فلبث أصحاب زيد حتى إذا كان الليل طلبوه وقد افتقدوه وظنّوا أنه قد أمعن في طلب الصيد ، فباتوا يطلبونه حتى يئسوا منه ، ثم غدوا في طلبه فاقتفوا أثره حتى وقفوا عليه ورأوا معه أثر راكب يسايره فاتبعوا الأثر حتى وجدوه قتيلا ، فعرفوا أن صاحب الراحلة قتله ، فاتبعوه وأغدّوا السير فأدركوه مساء الليلة الثانية ، فصاحوا به وكان من أرمى الناس فامتنع منهم بالنّبل حتى حال الليل بينهم وبينه وقد أصاب رجلا منهم في مرجع [ 6 ] كتفيه بسهم فلما أجنّه الليل مات وأفلت الرامي ، فرجعوا وقد قتل زيد بن أيوب ورجلا [ 7 ] آخر معه من بني الحارث بن كعب .
--> [ 1 ] الحملان بالضم : ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة . [ 2 ] انتدى القوم : اجتمعوا . وحفير : موضع بالحيرة ذكره البكري في « معجم ما استعجم » وأنشد عليه قول عديّ بن زيد : قد أرانا وأهلنا بحفير نحسب الدهر والسنين شهورا [ 3 ] نسبة إلى امرئ القيس ، ويقال في النسبة إليه : « امرئىّ » أيضا . [ 4 ] كذا في أغلب الأصول ولم نجد في معاجم اللغة التي بأيدينا اغتفل فلانا بمعنى تغفله أو استغفله . وفي م : « اعتقل » . [ 5 ] أي لم يبرح . [ 6 ] مرجع كتفيه : أسفلهما . [ 7 ] كذا في أغلب النسخ . وفي أ ، م : « وقد قتل زيد بن أيوب ورجل آخر » .